محمد رأفت سعيد
40
تاريخ نزول القرآن الكريم
وشمل ذلك أصحابه تعذيبا وتحريقا وقتلا . وواجهوه وأصحابه بالفتنة في الأموال مغالاة ومقاطعة ومصادرة إلى درجة شاقة جعلت خبابا يقول للرسول صلّى اللّه عليه وسلم : ألا تدعو لنا ؟ ألا تستنصر لنا ؟ ويجيبه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الرجل ممن قبلكم كان يؤخذ فتحفر له الحفرة ، ويوضع فيها ويجعل السيف على رأسه فيشقّ نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يزيده ذلك إلا تمسكا بدينه ، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون » . كما واجهوه وأصحابه بالسخرية والاستهزاء ، والمساومة والإغراء ، والقتال المنظم وكان ذلك شاقا ، ويحتاج إلى تثبيت قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وأن يشعروا دائما أن الله معهم ، والوحي يؤيدهم ويوجههم . كما واجهه صلّى اللّه عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى بعداءات انطلقت من حقد قلوب عرفت الحق فجحدته ، ووجهت تحدياتهم بعلم مصحوب بتحريف وتغيير وتبديل ، فبعد أن ذهب حيىّ بن أخطب وأخوه أبو ياسر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعادا كالّين كسلانين ساقطين ، سمعت السيدة صفية عمها أبا ياسر يقول لأخيه حيى : أهو هو ؟ ، قال : نعم ، والله إنه هو . قال : أتعرفه وتثبته ، قال : نعم . قال فما في نفسك منه ؟ قال : عداوته ما بقيت . وكان في مواجهة هذه العداوة وصورها حاجة إلى تثبيت وتوجيه وبيان للحق الذي يحرف . وواجه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم تحديات أخرى من الفئة الثالثة التي أظهرت الإسلام وأبطنت الكفر وعاشت على النفاق ، ووضعت يدها في يد أعداء النبي صلّى اللّه عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب ، وصاروا الداء الخبيث الذي يعمل داخل الأمة في خفاء ، ولا يحجم عن الظهور بالأعمال الصالحة التي يخفى وراءها تدبيرا قاتلا . كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يواجه كل هؤلاء مجتمعين ومتفرقين ، وكان مع هذه المواجهة في حاجة إلى تثبيت قلبه ليمضى في تبليغ رسالة ربه ، ولا يخفى ما في تكرر نزول جبريل عليه بالقرآن من شد الأزر وتثبيت القلب وتفريج الكرب وإذهاب الحزن كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [ الفرقان : 32 ] . كما أن ما يتعلق بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم في نزول القرآن الكريم مفرقا يظهر جليا في تيسير الحفظ والترتيل ، وتجدد الإعجاز والتدرج في تربية الأمة تعليما ورعايتها عملا وسلوكا . ولنتدبر إلى بعض هذه التوجيهات القرآنية في مواقف متكررة من حياة